جلال الدين السيوطي
مقدمة 13
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وأمّا ثانيهما فهو أنّه عندما أراد أن يبدع ما يدلّ على تبحّره في النحو ، ودرايته العميقة فيه ، تعب تعبا شديدا ، فقال عن تأليف كتابه « جمع الجوامع في العربيّة » : « ولم أتعب في شيء من مصنّفاتي كتعبي فيه » « 1 » ، لأنّه رام في هذا الكتاب الخالد أن يأتي بمنهج جديد في ترتيب أبواب النحو العربيّ وعرض مسائله ، فاستقام له ما رامه بعد أن أفاد من علم أصول الفقه ، وضبط تصوّره لعلم أصول النحو ومسالك النحاة في صناعتهم منهجا وعرضا وترجيحا واجتهادا وتوجيها . وأما الظاهرة الثانية فهي دعوى الاجتهاد ، إذ قال : « فقد بلغت ، ولله الحمد والمنّة ، رتبة الاجتهاد المطلق في الأحكام الشرعية ، وفي الحديث النبويّ ، وفي العربيّة » « 2 » . والاجتهاد - وحديثنا مقصور على الاجتهاد في العربيّة - باب تجدّد علوم العربيّة ، ومدّها بما تحتاج إليه من نظرات ثاقبة جديدة ، تحافظ على التوازن المطلوب دائما بين العلم وتطوّرات الحياة ؛ لأنّ تطوّرات الحياة إن سبقت تطوّرات أيّ علم ، صار ذلك العلم جزءا من التاريخ الثقافيّ ، وتراجع عن أداء وظائفه المعرفيّة ، أمّا إن واكب تطوّرات الحياة باجتهادات أهله ، بقي متجدّدا ، فيه روح المعاصرة من جهة ، وأصالة التراث من جهة أخرى . والسيوطي عندما ادّعى الاجتهاد في العربيّة لم يخرج عن هذه الرؤية إذ اشترط في المجتهد أمرين : أولهما : الإحاطة بنصوص أئمة الفنّ من سيبويه إلى زمانه . وثانيهما : حفظ شعر العرب الذين يحتجّ بأشعارهم في العربيّة ، ولو على سبيل سرعة المراجعة في المظانّ . وأضاف إلى هذين الشرطين اشتراط الإحاطة بالقواعد التي بنى عليها النحاة
--> ( 1 ) التحدّث بنعمة الله : 118 . ( 2 ) المصدر نفسه : 150 .